فخر الدين الرازي

244

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

خَيْرُ الرَّازِقِينَ دلالة على كونهم ممدوحين والجواب : لا نزاع في كون العبد قادرا ، فإن عندنا القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام . وأما الثالث فبحث لفظي وقد سبق الكلام فيه . المسألة الخامسة : لما قال تعالى : ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا فسوى بينهما في الوعد ، ظن قوم أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء ، وهذا إن أخذوه من الظاهر فلا دلالة فيه ، لأن الجمع بينهما في الوعد لا يدل على تفضيل ولا تسوية ، كما أن الجمع بين المؤمنين لا يدل على ذلك . وإن أخذوه من دليل آخر فهو حق ، فإنه روى أنس أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « المقتول في سبيل اللَّه تعالى ، والمتوفى في سبيل اللَّه بغير قتل ، هما في الخير والأجر شريكان » ولفظ الشركة مشعر بالتسوية ، وإلا فلا يبقى لتخصيصهما بالذكر فائدة . وروى أيضا : أن طوائف من أصحاب النبي صلى اللَّه عليه وسلم قالوا يا رسول اللَّه هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم اللَّه من الخير ، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا ، فما لنا إن متنا معك . فأنزل اللَّه تعالى هاتين الآيتين وهذا يدل على التسوية لأنهم لما طلبوا مقدار الأجر ، فلو لا التسوية لم يكن الجواب مفيدا . أما المسكن فقوله تعالى : لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرئ مدخلا بضم الميم وهو من الإدخال ، ومن قرأ بالفتح فالمراد الموضع . المسألة الثانية : قيل في المدخل الذي يرضونه إنه خيمة من درة بيضاء لا فصم فيها ولا وصم لها سبعون ألف مصراع ، وقال أبو القاسم القشيري هو أن يدخلهم الجنة من غير مكروه تقدم ، وقال ابن عباس رضي اللَّه عنهما : إنما قال يرضونه ، لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت / ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر فيرضونه ولا يبغون عنها حولا ، ونظيره قوله تعالى : وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها [ التوبة : 24 ] وقوله : فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * [ الحاقة : 21 ] وقوله : ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [ الفجر : 28 ] وقوله : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] . المسألة الثالثة : إن قيل ما معنى وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ وما تعلقه بما تقدم ؟ قلنا يحتمل أنه عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم ، ويحتمل أن يكون المراد أنه عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة ، وأما الحليم فالمراد أنه لحلمه لا يعجل بالعقوبة فيمن يقدم على المعصية ، بل يمهل ليقع منه التوبة فيستحق منه الجنة . أما قوله : ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ففيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : ذلِكَ قد مضى الكلام فيه في هذه الآية في هذه السورة . وقال الزجاج أي الأمر ما قصصنا عليك من إنجاز الوعد للمهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا . المسألة الثانية : قوله : ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ معناه : قاتل من كان يقاتله ، ثم كان المقاتل مبغيا عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتدئ بالقتال ، قال مقاتل : نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم ، فقال بعضهم لبعض : إن أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم ، فناشدهم المسلمون أن يكفوا عن قتالهم لحرمة الشهر ، فأبوا وقاتلوهم . فذلك بغيهم عليهم ، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم . فوقع في أنفس المسلمين من القتال في